ابن قيم الجوزية

315

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

يقول أعبد خلقه له يوم القيامة ، وهم الملائكة : سبحانك ما عبدناك حقّ عبادتك . فمن كرمه وجوده ورحمته أن رضي من عباده بدون اليسير مما ينبغي أن يعبد به ، ويستحقه لذاته وإحسانه ، فلا نسبة للواقع منهم إلى ما يستحقه ، بوجه من الوجوه ، فلا يسعهم إلا عفوه وتجاوزه ، وهو سبحانه أعلم بعباده منهم بأنفسهم ، فلو عذبهم لعذبهم بما يعلمه منهم ، وإن لم يحيطوا به علما ، ولو عذبهم قبل أن يرسل رسله إليهم على أعمالهم ، لم يكن ظالما لهم ، كما أنه سبحانه لم يظلمهم بمقته لهم قبل إرسال رسوله ، على كفرهم وشركهم وقبائحهم ، فإنه سبحانه نظر إلى أهل الأرض ، فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب « 1 » ، ولكن أوجب على نفسه إذ كتب عليها الرحمة أنه لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه برسالته . وسر المسألة أنه لما كان شكر المنعم على قدره وعلى قدر نعمه ، ولا يقوم بذلك أحد ، كان حقه سبحانه على كل أحد ، وله المطالبة به ، وإن لم يغفر له ويرحمه ، وإلا عذبه ، فحاجتهم إلى مغفرته ورحمته وعفوه كحاجتهم إلى حفظه وكلاءته ورزقه ، فإن لم يحفظهم هلكوا ، وإن لم يرزقهم هلكوا ، وإن لم يغفر لهم ويرحمهم هلكوا وخسروا ، ولهذا قال أبوهم آدم وأمهم حواء : رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 23 ) [ الأعراف ] وهذا شأن ولده من بعده . وقد قال موسى كليمه سبحانه : رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ( 44 ) [ النمل ] وقال : سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ( 143 ) [ الأعراف ] وقال : رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ( 151 ) [ الأعراف ] وقال :

--> ( 1 ) رواه مسلم ( 2865 ) عن عياض بن حمار المجاشعي .